الاخبار:: أحمد العبد الجمعة 17 تموز 2026
رام الله | مع اقتراب الانتخابات التشريعية في كيان الاحتلال، المُقرَّرة في تشرين الأول المقبل، يبدو الاستيطان في الضفة الغربية المحتلّة، الذي طالما مثّل سياسة حكومية ثابتة ومُمنهجة، قد تحوّل إلى الورقة الأكثر رواجاً في بازار الدعاية الانتخابية. ففي ظلّ سباق مُحتدِم بين أحزاب اليمين نفسها على استقطاب أصوات المستوطنين، تعمد هذه القوى إلى تبنّي مواقف أكثر تطرّفاً وتشدّداً، بل وترجمتها بخطوات عملية من شأنها تكريس السيطرة الإسرائيلية التامّة على الأرض، ضاربةً عرضَ الحائط بالتحذيرات الدولية والأوروبية من المضيّ في هذه السياسة. وإذ لم يعُد الخلاف يدور أصلاً حول مبدأ توسيع الاستيطان، وإنما على وتيرة هذا التوسّع وسرعته، فإن كلّاً من الأطراف المعنيّين بات يسعى لتقديم نفسه للجمهور كـ«عرّاب» لمشروع ضمّ الضفة.
في هذه الأجواء، أثار رئيس وزراء الاحتلال السابق، نفتالي بينت، موجة واسعة من الانتقادات داخل معسكر اليمين، بعد تصريحاته إلى «هيئة البث» الإسرائيلية (كان)، والتي أبدى فيها تأييده لإزالة البؤر الاستيطانية المُصنَّفة «غير قانونية»، مشدّداً على وجوب إزالة البناء القائم على أراضٍ فلسطينية خاصة أو من دون ترخيص حكومي، حتى لو تطلّب الأمر استخدام «القوة». ورغم مناورته تلك، الهادفة إلى مغازلة الوسط واليسار الإسرائيليَّيْن - اللذَين أصبح حضورهما متواضعاً على أيّ حال -، حرص بينت على تجديد رفضه إقامة دولة فلسطينية، مروّجاً بدلاً منها لصيغة تشبه الحكم الذاتي المُفتَّت للفلسطينيين، وذلك في المعازل المُصنَّفة «أ» و«ب» وفق «اتفاق أوسلو»، في مقابل ضمّ المنطقة المُصنَّفة «ج» إلى إسرائيل، والتي تشكّل نحو 60% من مساحة الضفة وتضمّ الكتلة الاستيطانية الأكبر.
مع ذلك، سرعان ما استدعت تصريحات بينت هجوماً حادّاً من شركائه السابقين في معسكر اليمين؛ إذ اتّهم وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، بتمهيد الطريق لإقامة دولة فلسطينية، داعياً إلى التكتّل لمنع تشكيل أيّ حكومة تتبنّى مثل هذا الطرح. وانضمّ إلى الهجوم على بينت قادة «المجالس الاستيطانية» (مؤسسات الاستيطان في الضفة)، الذين حذّروا من أن طروحات رئيس الحكومة السابق تشكّل «خطراً على المشروع الاستيطاني». وفي الاتجاه نفسه، كشفت مصادر مُقرّبة من رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، لوسائل إعلام عبرية، أن الأخير يدرس بجدّية وضع ملفّ «ضمّ أجزاء واسعة من الضفة الغربية» في صدارة حملته الانتخابية. ويستند نتنياهو، في هذه المناورة، إلى استطلاعات الرأي الأخيرة التي تُظهِر تأييد 41% من الإسرائيليين لمشروع الضمّ - وهي نسبة ترتفع إلى 58% في صفوف ناخبي اليمين -، متطلّعاً من خلالها إلى استعادة جزء من الخزان الانتخابي، يبدو أنه يخسره لمصلحة منافسيه اليمينيين، بحسب ما تُظهِره استطلاعات الرأي.
وبالتوازي مع ضجيج الخطابات المُشجِّعة على الاستيطان، سارعت حكومة الاحتلال إلى ترجمة تلك الخطابات إلى وقائع عملية، وذلك عبر رصد ميزانيات ضخمة لتعزيز البنية التحتية الاستيطانية في الضفة، إذ صادقت، على تخصيص أكثر من مليار شيكل لتمويل شقّ طرقات جديدة، وأخرى التفافية أمنية، تخدم عشرات المستوطنات في الضفة، بما فيها بؤر تمّ إخلاؤها عام 2005 في الشمال ضمن ما عُرف آنذاك بـ«خطة فكّ الارتباط» - التي انسحب الاحتلال بموجبها أيضاً من قطاع غزة -، ومن بينها «حومش» التي كان صدر أمر عسكري بالعودة إليها رسمياً في أيار 2023، بالإضافة إلى مستوطنات «صانور»، «غانيم» و«كديم» التي تمّ إلغاء قرار منع المستوطنين من دخولها وإقامة وحدات استيطانية فيها. وإذ تهدف هذه الميزانية إلى ربط المستوطنات بعضها ببعض، وتثبيت التواصل الجغرافي بينها، في مقابل نسف إمكانية التواصل الفلسطيني، وصف سموتريتش القرار الأخير بـ«الثورة الاستيطانية»، متباهياً بأن حكومته تعمل على إقامة أكثر من 100 مستوطنة و160 بؤرة استيطانية زراعية ورعوية، كجدار صدٍّ نهائي يمنع قيام أيّ كيان فلسطيني مستقل.
يبحث وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي خيارات لفرض قيود على التجارة مع المستوطنات
ولم تقتصر الحوافز الحكومية للمستوطنين على مشاريع البنية التحتية؛ إذ منحهم سموتريتش أيضاً إعفاءات ضريبية بأثر رجعي بنسبة 7%، وهي خطوة وصفها مسؤولون في وزارة المالية بأنها «رشوة انتخابية» بلا أيّ جدوى اقتصادية، تهدف إلى شراء الولاءات مع اقتراب الانتخابات. وبموازاة ذلك، حوّلت وزارة «الأمن القومي»، بقيادة إيتمار بن غفير، أربعة ملايين شيكل إلى منظمة «أهفات غلعاد» الاستيطانية الناشطة في مجال البؤر الرعوية، على الرغم من إدراج هذه المنظمة على قوائم العقوبات الدولية (في بريطانيا، فرنسا، كندا، أستراليا، النرويج ونيوزيلندا) لتورّطها في تمويل بؤر استيطانية ارتبطت بأعمال عنف ضدّ الفلسطينيين. ووفقاً لتقارير عبرية، فإن هذا التمويل الرسمي مُخصّص لإنشاء شبكة من «المرشدين» لمرافقة المستوطنين من الفئات الشابّة في البؤر الرعوية، وإنه تمّ اختيار «أهفات غلعاد» بالذات نظراً إلى شبكة العلاقات الوثيقة التي تربطها بجيش الاحتلال وأجهزته الأمنية والوزارات الحكومية، الأمر الذي يؤكّد حجم الدعم الرسمي الذي تحظى به تلك البؤر.
ويترافق ما تَقدّم مع توسّع استيطاني غير مسبوق على الأرض؛ إذ كشف تقرير مشترك لحركتَي «سلام الآن» و«كرم نابوت» الإسرائيليتين، أن حكومة الاحتلال أقامت وشرعنت بين عامَي 2023 و2025 ما مجموعه 102 مستوطنة جديدة (بينها 50 بؤرة استيطانية)، إلى جانب إنشاء 185 بؤرة رعوية وزراعية، وتهجير سكان 118 تجمّعاً فلسطينياً. وأوضح التقرير أن سلطات الاحتلال صادقت في الفترة ذاتها على بناء 40,064 وحدة استيطانية جديدة، واستولت على أكثر من مليون و70 ألف دونم، أي ما يعادل نحو 18% من مساحة الضفة، كما شقّت 223 كيلومتراً من الطرق الجديدة، وصادرت عشرات آلاف الدونمات، معلنةً نحو 60 ألف دونم ضمن «أراضي دولة إسرائيل». وأشار التقرير إلى أن هذه الإجراءات تُنفَّذ بإشراف مباشر من سموتريتش، وبمساندة الجيش وبقية الأجهزة التابعة للاحتلال، وذلك في إطار سياسة تهدف إلى تقويض ما تبقّى من «اتفاق أوسلو»، وتهيئة الأرض لضمّ أجزاء واسعة من الضفة، مع الإبقاء على التجمّعات الفلسطينية ضمن حكم ذاتي محدود.
إزاء ذلك التوحّش الاستيطاني، وبعد طول تردّد وتواطؤ ضمني حكما المواقف الدولية إزاء ما تعرّضت له الضفة خلال أعوام الإبادة، يبحث وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي خيارات لتقييد التجارة مع المستوطنات، تُراوِح بين فرض تراخيص استيراد أو رسوم جمركية مُشدّدة، وصولاً إلى الحظر الكامل للمُنتجات تماشياً مع الرأي الاستشاري لـ«محكمة العدل الدولية»، الذي أكّد عدم قانونية الاحتلال والاستيطان، ودعا الدول إلى الامتناع عن أيّ علاقات تجارية أو استثمارية تُسهِم في استمراره. ورغم الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي بشأن آلية اعتماد هذه الإجراءات، فإن تنامي الدعوات إلى فرض قيود على المستوطنات يعكس اتّساع دائرة الرفض للسياسات الإسرائيلية في الضفة.